هو عروة بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي. أبو عبد الله، أحد الفقهاء السبعة في المدينة. كان عالمًا كريمًا،
أبوه الزبير بن العوام أحد العشرة المبشرين بالجنة، وحواري رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، المُلقبة بذات النطاقين، وخالته عائشة أم المؤمنين،
وجدته لأبيه عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وجده لأمه أبو بكر الصديق صاحب النبي
صلى الله عليه وسلم وخليفته، وأخوه عبد الله بن الزبير. ولد في آخر خلافة عمر بن الخطاب، وقيل: في
بداية خلافة عثمان، ويُعد من الطبقة الثانية من أهل المدينة من التابعين،
وعاش بالمدينة وانتقل إلى البصرة ثم إلى مصر وعاد إلى المدينة فتوفي فيها.


روى الحديث عن كثير من الصحابة وتفقه على يد السيدة عائشة أم المؤمنين، وكان ثقة كثير الحديث فقهيًا عاليًا مأمونًا ثبتًا.
وحدث عنه ابنه هشام، وروى عنه الزهري وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي وغيرهما
من علماء المدينة.


من أهم
ملامح شخصيته:
تفانيه
في العبادة:


خليق برجل تربى بين يدي الزبير بن العوام، وأسماء بنت أبي بكر، وتفقه على يد أم
المؤمنين عائشة، وأخذ الحديث عن أصحاب رسول الله أن يكون مثالاً حيًا في عبادته
وزهده وورعه وأخلاقه، وكان عروة بن الزبير كذلك، فلقد أثر عنه أنه كان يصوم الدهر.
وكان يقرأ كل يوم ربع الختمة في المصحف ويقوم الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله،
وكانت أصيبت بالأكلة فنشرها له الطبيب وصبر على نشرها وهو يقرأ القرآن.

حبه
للعلم:

وكان رحمه الله مؤثرًا للعلم، ورضى الله على أي شيء آخر من أمور
الدنيا، ولقد اجتمع عبد الله بن الزبير، وأخوه عروة بن الزبير، وأخوهما
مصعب بن الزبير، وعبد الملك بن مروان، فما لبث أحدهم أن قال: لِيَتَمَنَّ
كلّ منَّا ما يحبّ، فانْطلقَت أخيِلَتُهم ترحّل في عالم الغيب الرَّحل،
ومضَتْ أحلامهم تطوف في رياض الأماني الخضر، ثمَّ قال عبد الله بن الزبير:
أمنيَّتي أن أملِكَ الحجاز، وأن أنال الخلافة، وقال أخوه مصعب: أما أنا
فأتمنَّى أن أملِك العراقَيْن، وألاّ يُنازعني فيهما منازع، وقال عبد
الملك بن مروان: إذا كنتما تقْنعان بذلك، فأنا لا أقْنعُ إلا أنْ أملكَ
الأرض كلّه! وأن أنال الخلافة بعد معاوية بن أبي سفيان، مَنْ بقيَ؟ عروَة
بن الزّبير، وسكت عروة بن الزبير، فلم يقل شيئًا، فالْتفتوا إليه، وقالو:
وأنت ماذا تتمنّى يا عروة؟ قال: بارك الله لكم فيما تمنَّيْتم من أمر
دنياكم،أما أنا فأتمنَّى أن أكون عالمًا عاملاً يأخذوا الناس عنِّي كتاب
ربّهم وسنَّة نبيِّهم وأحكام دينهم، وأن أفوز في الآخرة بِرِضا الله عز
وجل، وأن أحظى بِجَنّته. ويذكر عنه أنه أول من كتب السيرة، إذ جمعها في
كتاب أسماه ( مغازي الرسول..).

ولما سُئل عراك بن مالك عن أفقه أهل المدينة قال: أما أعلمهم
بقضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضايا أبي بكر وعمر وعثمان وأفقههم
فقها وأعلمهم بما مضى من أمر الناس فسعيد بن المسيب وأما أغزرهم حديثًا
فعروة بن الزبير.

سخاؤه:
ويُعرف عن عروة بن الزبير أنه من أسخياء الناس؛ بل كان أسخاهم
يدًا، سمحًا فيما يعطيه للناس، ومما أثر عن جوده أنه كان له بستان من أعظم
بساتين المدينة، عذب المياه، ظليل الأشجار، باسق النخيل... وكان يسور
بستانه طوال العام؛ لحماية أشجاره من أذى الماشية وعبث الصبية، حتى إذا آن
أوان الرطب وأينعت الثمار وطابت، واشتهتها النفوس... كسر حائط بستانه في
أكثر من جهة ليجيز للناس دخوله... فكانوا يدخلونه، ويأكلون من ثمره ما لذ
لهم الأكل، ويحملون منه ما طاب لهم الحمل. وكان كلما دخل بستانه هذا ردد
قوله جل وعز: ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

وكان يُعد الصدقة هدية تُهدى لله عز وجل، فيقول لأبنائه: لا يهدين
أحدكم إلى ربه ما يستحي أن يهديه إلى عزيز قومه... فإن الله تعالى أعز
الأعزاء، وأكرم الكرماء، وأحق من يختار له.

صبره:
وكان من الصابرين في البأساء والضراء، ولقد اجتمعت عليه مصائب
كثيرة، فما زادته إلا شكرًا لله، وصبرًا على ما ابتلاه الله به، يقول
سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة: خرج عروة بن الزبير إلى الوليد بن عبد
الملك فخرجت برجله آكلة فقطعها، وسقط ابن له عن ظهر بيت فوقع تحت أرجل
الدواب فقطَّعته فأتاه رجل يعزيه فقال: بأي شيء تعزيني؟ ولم يدر بابنه
فقال له رجل: ابنك يحيى قطَّعته الدواب قال: وأيم الله لئن كنت أخذت لقد
أعطيت ولئن كنت ابتليت لقد عافيت وقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا.
وروي أنه قال: اللهم كانوا سبعة فأخذت واحدا وأبقيت ستة، وكن أربعًا (يقصد
أطرافه الأربع) فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثًا، وأيمنك لئن كنت أخذت لقد أبقيت
ولئن كنت ابتليت لقد أعفيت.


نصحه
لأولاده:

ولحرصه على العلم، ومعرفته بما في العلم من فوائد جمة، وما في
الجهل من عيوب ومساوي، فكان يوصي أبنائه ويحضهم على طلب العلم قائلاً لهم:
يا بني تعلموا العلم، وابذلوا له حقه... فإنكم إن تكونوا صغار قوم؛ فعسى
أن يجعلكم الله بالعلم كبراءهم. ثم يقول: واسوأتاه، هل في الدنيا شيء أقبح
من شيخ جاهل.



ومن موقف تعلمه من سيدنا حكيم بن حزام حين قتل أبوه الزبير بن
العوام بعد وقعة الجمل، وسمع ما سمع من الناس ما يكرهه ويؤذيه، فذهب إلى
حكيم بن حزام ليعرف مثالب قريش فيقتص منهم ويؤذيهم كما آذوه، وكان قد دخل
عليه هو وأخوه المنذر بن الزبير وعندما ذكرا له ما أرادا، أوسعهم ضربًا ثم
قال أعندي تلتمسان معايب قريش ايتدعا في قومكما يكف عنكما مما تكرهان
فانتفعنا بأدبه، لذا كان يوصي أبناءه بلين الجانب، وطيب الكلام، وبشر
الوجه فيقول: يا بني، مكتوب في الحكمة، لتكن كلمتك طيبة، وليكن وجهك
طلقًا، تكن أحب إلى الناس ممن يبذل لهم العطاء.

وكان ناصحًا لله ولرسوله، آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، فإذا
رأى الناس يجنحون إلى الترف، ويستمرئون النعيم يذكرهم بما كان عليه رسول
الله من شظف العيش، وخشونة الحياة.



وكان يقول: رب كلمة ذل احتملتها أورثتني عزاء طويلاً.


ويقول أيضًا: إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة فاعلم أن لها عنده أخوات، وإذا رأيته يعمل
السيئة فاعلم أن لها عنده أخوات، فإن الحسنة تدل على أختها، وإن السيئة تدل على
أختها.

وفاته:

وكان الناس يذكرونه بالخير دائمًا، فيقول جرير بن عبد الحميد عن هشام بن عروة: ما
سمعت أحدًا من أهل الأهواء يذكر عروة إلا بخير. وظل يعرف بين الناس بعلمه، وحسن أخلاقه وسخاءه حتى وافته المنية سنة
94 هـ عن عمر يناهز السبعين عامًا.

المصادر:
البداية
والنهاية - تهذيب
الكمال - الطبقات
الكبرى - صفة الصفوة..